أبي بكر بن بدر الدين البيطار

27

كامل الصناعتين في البيطرة والزردقة ( الناصري )

« وكان مشغوفا أيضا بالخيل فجلبت له من البلاد ، لا سيما خيول العرب آل مهنا وآل فضل ، فإنه كان يقدمها على غيرها ، ولهذا كان يكرم العرب ويبذل لهم الرغائب في خيولهم ، فكان إذا سمع العربان بفرس عند بدوي أخذوها منه بأغلى القيمة ، وأخذوا من السلطان مثلي ما دفعوا فيها . وكان في كل طائفة من طوائف العرب عين يدلّه على ما عندهم من الخيل من الفرس السابق أو الأصيل ، بل ربما ذكروا له أصل بعضها لعدة جدود ، حتى يأخذها بأكثر مما كان في نفس صاحبها من الثمن ، فتمكنت منه بذلك العربان ، ونالوا المنزلة العظيمة والسعادات الكثيرة . وكان يكره خيول برقة فلا يأخذ منها إلا ما بلغ الغاية في الجودة ، وما عدا ذلك إذا جلبت اليه فرقها ، وكان له معرفة تامة بالخيل وأنسابها ، يذكر من أحضرها له في وقتها ، وكان إذا استدعى بفرس يقول لأمير آخور : الفرس الفلانية التي أحضرها فلان واشتريتها منه بكذا وكذا . وكان إذا جاءه شيء منها عرضها وقلبها بنفسه ، فإن أعجبته دفع فيها من العشرة آلاف إلى أن اشترى بنت الكرماء بمائتي ألف درهم ، وهذا شيء لم يقع لأحد من قبله ولا من بعده ، فان المائتي ألف درهم كانت يوم ذاك بعشرة آلاف دينار . وأما ما اشتراه بمائة ألف وسبعين ألفا وستين ألفا وما دونها فكثير . وأقطع آل مهنا وآل فضل بسبب ذلك عدة إقطاعات ، فكان أحدهم إذا أراد من السلطان شيئا قدم عليه في معنى أنه يدله على فرس عند فلان ويعظم أمره ، فيكتب من فوره بطلب تلك الفرس فيشتد صاحبها ويمتنع من قودها ، ثم يقترح ما شاء ، ولا يزال حتى يبلغ غرضه من السلطان في ثمن فرسه . وهو أول من اتخذ من ملوك مصر ديوانا للاسطبل السلطاني ، وعمل له : ناظرا وشهودا وكتابا لضبط أسماء الخيل ، وأوقات ورودها وأسماء أربابها ، ومبلغ أثمانها ومعرفة سواسها وغير ذلك من أحوالها ، 16 وكان لا يزال يتفقد الخيول ، فإذا أصيب منها فرس أو كبر سنه بعث به مع أحد الاوجاقية 17 إلى الجشار 18 بعد ما يحمل عليها حصانا يختاره ، ويأمر بضبط تاريخه ، فتوالدت عنده خيول كثيرة ، حتى أغنته عن جلب ما سواها . ومع هذا كان يرغب في الفرس المجلوب إليه أكثر مما توالد عنده ، فعظم العرب